الاخبار: حسين إبراهيم
مع بدء أول حديث عن احتمال انتهاء الحرب على إيران، ولا سيما أنه يأتي من الجانب الأميركي، يبرز الخليج كواحد من أكبر الخاسرين فيها، وذلك نتيجة فشل الرهان على الحماية الأميركية، التي اتّضح أنها قاصرة عن تحقيق «الأمن والأمان» اللذيْن كان حكام الخليج يبيعونهما وهماً لمواطنيهم. لكنّ الجديد والخطير هو الانكشاف على التطبيع مع إسرائيل، سواء العلني أو الخفي، الذي وضع دول الخليج مباشرة في عين العاصفة، باعتبارها أصبحت منطلقاً لحرب إسرائيلية في الأساس، جرّ بنيامين نتنياهو، دونالد ترامب، إليها، انطلاقاً من القواعد الأميركية في الخليج.
سيكون على دول الخليج إذا ما أرادت عدم الوصول إلى حال مشابهة في المستقبل، معالجة هذه المثالب بوصفها ثُغراً في جدار الأمن الإقليمي، إذ مع انكشاف الحقيقة المرّة المتمثّلة في أن لعبة الاحتواء التي مارستها تلك الدول ضدّ إيران بدعم من الولايات المتحدة انتهت إلى غير رجعة، يجد الخليجيون أنفسهم أمام تحدّي إعادة نظر شاملة في سردية اعتبار إيران عدواً بديلاً من إسرائيل، والتي كانت تمهّد لدمج الأمن الخليجي بإسرائيل، علماً أن هذه العملية كانت بدأت خلال السنوات الماضية من خلال تعاون أمني علني وسرّي بين العواصم الخليجية وتل أبيب، وأريد منها تسليم زعامة الأمن الإقليمي للأخيرة، وتخارج واشنطن من الشرق الأوسط.
على أن الولايات المتحدة لم تقصّر فقط في حماية الخليج، وإنما غدرت به أيضاً من خلال استخدام قواعدها فيه للقيام بضرباتها ضدّ إيران؛ وهذا لم يكن عبثاً، وإنما محاولة لتوريط المنطقة في حرب عربية – فارسية تعيدها قروناً إلى الوراء، وتفضي إلى التطبيع مع إسرائيل. وجاء أدقّ تعبير عن ما يمكن أن يحصل في حال تورّط الخليج في الحرب، من رئيس وزراء قطر السابق، حمد بن جاسم، الذي قال أخيراً إن «أميركا تريد الزجّ بنا في المعركة لتخرج منها هي، وتتحوّل إلى تاجر سلاح».
واشنطن لم تقصّر فقط في حماية الخليج، وإنما غدرت به أيضاً من خلال استخدام قواعدها فيه للقيام بضرباتها ضدّ إيران
قد يكون من التبسيط القول إن دول الخليج كان يجب أن تخلع عنها العباءة الأميركية؛ فالعلاقة مع الغرب لم تكن اختيارية بالكامل، وإنما بنيوية تطوّرت عبر الزمن، وساهمت في تشكيلها صيرورات حروب طويلة قديمة في العالم والشرق الأوسط. إلا أنه أمكن تلك الدول، بما تملك من هامش حركة بسبب إمكاناتها المالية الضخمة، أن تتصرّف بشكل آخر، حتى لو أن مجرّد وجود القواعد الأميركية على أراضيها ينتقص من سيادتها، إذ كان باستطاعتها مثلاً أن تدافع عن مصالحها بشكل أفضل، من دون الانجرار إلى علاقات علنية أو سرّية مع إسرائيل، ثبت اليوم أنها عالية الكلفة بالنسبة إليها، ولا فائدة تُرجى منها، وتخالف رغبة شعوبها.
في هذه المرحلة من الحرب، وسواء أَكانت نهاية القتال بعيدة أم قريبة، تقف دول الخليج على مفترق خطير، يؤسّس لوضع جديد مختلف. وضعٌ ستكون العلاقة مع إيران أحد مداميكه، وهو ما يجعل من غير الحصافة أن تضع تلك الدول نفسها في موقع الهجوم، بما يمنح طهران حكماً حق استهداف المصالح الأميركية فيها في إطار الدفاع المشروع عن النفس، ولا أن تموّل حرباً ليست لها، كما موّلت من قبل حروباً كثيرة لم تكن لها فيها ناقة ولا جمل.
بحسب ما نقل تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن السعودية وافقت أخيراً على السماح للولايات المتحدة باستخدام «قاعدة الملك فهد الجوية» غربيّ المملكة في الحرب ضدّ إيران، وإن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، يقترب من اتخاذ قرار بدخول الحرب. على أن التفكير السعودي، كما ظهر في ما مضى من أيام، يغلّب احتمال أن يكون هذا التسريب مدسوساً بهدف توريط الرياض؛ فهذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي تُسرَّب فيها إلى الصحافة أخبار يتّضح لاحقاً أنها مزيفة.
العكس قد يكون صحيحاً. فالسلوك السعودي في السنوات الأخيرة أظهر أنه جرت الاستفادة من دروس الماضي، ولا سيما حرب اليمن؛ فهل يُعقل أن تتورّط المملكة في حرب ليست لها مع إيران، وقد تؤدّي فوق ذلك إلى إعادة «أنصار الله» إلى دائرة الصراع، فتصبح المملكة بين فكَّي كماشة استهدافات من اليمن وإيران معاً؟ ويضاف إلى ما تقدّم احتمال إغلاق مضيق باب المندب، لينضمّ إلى مضيق هرمز، وهو ما سيحرم المملكة من تصدير النفط عبر البحر الأحمر أيضاً، خاصة أنه بات جلياً - باعتراف مهندسي الحرب - أن النظام الإيراني باق.
المنحى الذي تسير فيه دول الخليج حالياً مُدمِّر لها؛ فإذا دخلت الحرب فسيعني ذلك إطالة للصراع، ومزيداً من الدمار في إيران ودول المنطقة، وإذا جرى التوصل إلى تسوية بين إيران والولايات المتحدة بعيداً عنها، فستكون على حسابها. ولذا، فإن الخيار الأفضل لديها هو الضغط لإنهاء الحرب، وهي تملك بدائل من نوع ذلك التحالف الذي انخرطت فيه الرياض مع باكستان، ويجري الحديث عن مدّه ليشمل تركيا، وهو يمكن أن يشمل طهران أيضاً. عندها يصبح أمن المنطقة بيد أهلها، ولن تكون ثمة حاجة إلى حماية أميركية.
أمّا دول الخليج الأصغر، فالخسارة عليها أكبر؛ إذ ثمّة أسئلة تُطرح الآن عمّا إذا كانت الإمارات ستظلّ بعد الحرب، كما كانت قبلها، مركزاً إقليمياً، وحتى عالمياً للتجارة والمال، أم أنها فقدت الأهلية والموثوقية لهذا الدور؟ ذلك أن الحكام الإماراتيين أغفلوا حقيقة أن دوراً كهذا يتطلّب حياداً حقيقياً من نوع ذلك الذي التزمت به سويسرا وحافظت عليه في عزّ الحرب العالمية الثانية، وليس تمويل الحروب في المنطقة لمصلحة التحالف مع واشنطن وتل أبيب.